Dark Light

في أعماق روحي، كان الغضب يشتعل كجمراتٍ تحت الرماد، يلتهمني ببطء، يحرقني من الداخل وكأنه نيرانٌ مقدسة لا يمكن إخمادها. كنت أجلس هناك، أحتسي كأس الويسكي، بينما يجلس إلى جانبي أخي وصديقي مصطفى. ولكن نظرة أخي تلك… تلك النظرة التي اخترقتني كالسهم، وكأنها تطعن كل ما تبقى من كرامتي. كانت عينيه تشع بغرور، كأنه قديس يغفر الخطايا، بينما أنا، في عينيه، كنت الخاطئ المذنب، الشخص المليء بالعيوب. كان يتظاهر كأنه يشرب الحليب البريء، بينما كان معنا يحتسي الويسكي ذاته.

في تلك اللحظة، شعرت بغضبٍ داخلي، يغلي في أعماقي، لكنه كان غضبًا مكبوتًا، مقيدًا بسلاسل من الاحترام والخوف من إهانته أمام مصطفى. كنت أعلم أنني لو نطقت بكلمة، لو سمحت لغضبي أن يتفجر، لكانت الكلمات كالسهام، تصيب قلبه وتتركه في صدمة لا تُنسى، صدمة قد تغير حياتنا إلى الأبد. ففضلت الصمت، وواصلت شربي لكأسٍ تلو الآخر، وكأنني أهرب من تلك المشاعر، أهرب من نظراته التي كانت تذكرني بخطاياي المزعومة. واستمررت حتى بزغت شمس الصباح، حينها شعرت بالنعاس وغرقت في نومٍ هادئ.

في اليوم التالي، عندما استيقظت، ذهبت إلى أخي، كما لو أن شيئًا لم يكن، لأدعوه لنذهب معًا إلى المطعم القريب. كنت أريد أن ننسى ما حدث، أن نمضي قدمًا، وكأن الليلة السابقة لم تكن إلا سرابًا. لكن في طريقنا، قال لي بنبرة هادئة: “لا يجب عليك أن تشرب الويسكي مجددًا.” وعندما سألته عن السبب، قال لي بأنني سكرت وفقدت الإدراك، وأنني بدأت بتصرفات مخزية.

في تلك اللحظة، شعرت بمزيج من الغضب والذهول. كيف يمكن أن يقول هذا؟ أنا أتذكر كل شيء، كل تفصيلة من تلك الليلة، منذ لحظة دخولنا المنزل وجلوسنا إلى الطاولة وحتى لحظة ذهابي للنوم. لم أنسَ شيئًا. كيف يمكن أن أكون سكرت إذا كنت أتذكر كل شيء بهذه الوضوح؟ هل سكرت في أحلامي؟!

ثم سألني: “هل سبق أن كذبت عليك من قبل؟” توقفت للحظة، فكرت في الأمر، ثم قلت: “لا، لم تكذب.” وفي تلك اللحظة، كذبت نفسي وذاكرتي، وصدقته. صدقت حكايته الكاذبة التي كانت تمس أعماق روحي وتدمرني من الداخل. كيف يمكن لإنسان أن يجعلك تشك في نفسك؟!

بعد لحظات قليلة، اتصل بي مصطفى. بدأنا نتحدث، وبلا تفكير سألته عن الليلة الماضية، كونه كان هناك حتى بعد أن غرقت في النوم. وفجأة، أخبرني بالحقيقة التي كنت أخشاها. قال لي بأنني لم أسكر، وأن أخي قد اتصل به مسبقًا، وطلب منه أن يقسم بأنني فقدت الإدراك، أن يكذب عليّ. شعرت بشيء ينكسر داخلي. مصطفى، كان منزعجًا من هذا الاتفاق المشين، ولكنه وافق بسبب إصرار أخي.

في تلك اللحظة، أدركت أن أسوأ شيء يمكن أن يفعله إنسان هو أن يجعلك تشكك في نفسك. قد أغفر لأعدائي الذين طعنوني مرات عديدة، ولكنني لن أسامح من أحببته أكثر من نفسي، من وثقت به أكثر من أي شخص آخر، ثم يخونني بتلك الطريقة، يجعلني أشك في نفسي. أسوأ عقاب يمكن أن تقدمه لإنسان هو أن تستغل ثقته العمياء بك، ثم تجعله يشك في كل شيء، حتى في نفسه.

تبا لهذه الحياة اللعينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts

بكِ الروح تائهة

ذكرتُكِ والسيوف نواصلٌحين لمعت كثغركِ المتبسمِذكرتُكِ والسماء غائمةٌبكِ الروح تائهةلا أدري أمن عيني ذلك الدمعُأم أن السماء ممطرةٌذكرتُكِ…