Dark Light

اليوم أقف على قمة العالم، أنظر إلى من تحتي كما ينظر الناجون إلى ساحات المعارك بعد انتهاء الطوفان. لقد انتصرت! لا، بل نجوت من جحيم لم يكن له نهاية، من عتمة لم يكن لها منفذ، كنت أسير في قلب العاصفة، كل شيء حولي كان ينذر بالسقوط، بالألم، بالدمار، لكنني كنت الجدار الأخير، ولم أسقط.

دخلت حربًا لم أختر توقيتها، ولم أملك رفاهية الانسحاب منها. كانت معركة لم تترك لي خيارًا سوى أن أقاتل أو أفنى، وكان الفناء يترصدني، يحيط بي من كل جانب، لكنني رفضت أن أكون فريسة، فأصبحت صيادًا، وغرست مخالبي في أعناق الأيام حتى باتت ملكي. لم أكن أبحث عن النصر، بل كنت أبحث عن الخلاص، لكن الخلاص لم يكن إلا في ساحة القتال، وهناك، في عمق الجحيم، وجدت نفسي، وجدت حقيقتي، وخلقت من ضعفي قوة لم يكن ليعرفها أحد.

والآن، ها أنا أستعد، أرتب حقيبتي لا كمسافر، بل كفاتح، لا كمن يهرب من ماضٍ، بل كمن يزحف نحو مستقبل جديد. سأعتمر، سأقف هناك، عاري الروح كما وُلدت، وسأصرخ لله، وأخبره أنني رأيت ما لا يراه بشر، وشعرت بما لا يتحمله قلب، وأنني رغم ذلك، ما زلت هنا. ثم سأذهب إلى دبي، المدينة التي لا تعرف النوم، المدينة التي تسير بسرعة الضوء، وسأمضي معها، كملك عاد من منفاه، كإمبراطور عاد ليسترد عرشه.

لقد قاتلت معارك لم يكن لأحد أن يتحملها، كنت أصرخ وحدي في وجه العاصفة، وكانت السماء وحدها تسمعني، وكان الصمت وحده يواسيني. تخلى عني الجميع، لم يبقَ لي أحد، حتى ظلالي تراجعت عن مرافقتي حين صار الطريق حالكًا. لكنني كنت هناك، كنت سيفًا في مواجهة الريح، كنت صخرة في وجه الطوفان، كنت وحيدًا، لكنني كنت جيشًا كاملًا، وها أنا اليوم المنتصر الأخير، أتنفس هواء الانتصار، وأشعر أن الغبار الذي يملأ عيني ليس إلا بقايا معركة انتهت.

تعلمت درسًا لا يُمنح إلا لمن دفع روحه مهرًا له. تعلمت أن العالم كاذب، أن البشر يتخلون، أن الوعود مجرد سراب، وأن من يطعنك مرة، سيطعن ألف مرة. لم أعد أؤمن إلا بعقلي، ثم عقلي، ثم عقلي. لا قلب بعد اليوم، لا عاطفة، لا انحناء. أنا من يصنع الشتاء والثلج، وأنا من يعطي الشمس نور الشروق، وأنا من يقرر متى تهدأ العاصفة.

كان درسًا ثقيلًا، لكنه كان ضروريًا. كنت أطلب من الله القوة، فألقى بي في بحرٍ من النار، وعلّمني كيف أكون النار نفسها. وها أنا الآن، أقف، وأرى نفسي لأول مرة، بلا أوهام، بلا ضعف.

هذا أنا!

لدي هدف، وسأحققه، وسأمشي نحوه كما يمشي الملوك.

هذا أنا!

حياتي بدأت من جديد، وليس فيها مكان لمن تخلى عني حين كنت أغرق. لن أسمح لأشباح الماضي بأن تخطو في مملكتي الجديدة.

هذا أنا!

أنظر إلى المرآة، وأرى فيها كل المعارك التي خضتها، كل الطعنات التي تلقيتها، وكل الانتصارات التي حصدتها.

لقد كان العالم قاسيًا، لكنني كنت الأقسى، وانتصرت عليه.

هذا أنا!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts

القرار

كل شيئ في حياة الانسان هوَ “قــرار” قرار تتخذه ثم تنفذه أنت من يتحكم بنفسك وليس غيرك لا…