هناك لحظة فارقة في حياة المرء، تشبه الاستيقاظ البطيء في غرفة غارقة في نور الشمس، بعد نوم طويل ومزعج في العتمة. لفترة طويلة، ولعامين كاملين على وجه الدقة، كنت أظن أن الهواء المتاح في المساحات الضيقة هو كل ما تملكه هذه الأرض، وأن بعض التنازلات هي ضريبة البقاء. لكنني أدركت فجأة، وبشكل يبعث على الرهبة، أن الإنسان هو من يختار حجم رئتيه، وهو من يقرر متى يكسر زجاج النافذة ليتنفس.
اليوم، وأنا أجلس في بيتي الذي يزداد دفئاً واتساعاً يوماً بعد يوم، أراقب كيف تعيد الأشياء ترتيب نفسها من حولي بوفرة لم أعهدها. كل زاوية باتت تعكس يقيني الجديد، وكل فرصة كبرى تطرق بابي الآن تبدو وكأنها اعتذار أنيق من الحياة عن أوقات أهدرتها في النظر إلى الاتجاه الخاطئ. الحياة لا تتوقف عند أحد، بل هي تبتلع من يقف في مكانه، وتفرش الأرض ذهباً لمن يدرك قيمته ويمضي.
لقد بدأت أرى العالم من شرفة أخرى. في سلطنة عُمان، حيث الجبال تعانق السكينة المطلقة، وقفت أمام ذلك الامتداد الصامت، وأدركت لأول مرة كيف تتقزم الأشياء التي كنا نظنها عظيمة أمام هيبة الطبيعة واتساع الأفق. هناك، في ذلك الهدوء المخملي، رأيت الحياة من منظور بالغ النقاء؛ أدركت أن بعض الخسارات ليست سوى تخلص من حمولة زائدة كانت تمنعنا من التحليق.
ومن ذلك الهدوء، قادتني خطواتي برفقة أبي إلى تونس. كنا نمشي معاً بين أزقة بنزرت العتيقة، ونغوص في قلب العاصمة النابض، وصولاً إلى سيدي بوسعيد. هناك، حيث تتلاشى كل الألوان أمام الأبيض الناصع والزرقة المطلقة للبحر، كنت أحتسي القهوة مع الرجل الذي علمني كيف تقف الأشجار شامخة. في تلك اللحظات، وأنا أنظر إلى الأفق المفتوح وتتدفق في جيوبي وروحي خفة المنتصرين، أيقنت أن الثراء الحقيقي ليس مجرد أرقام، بل هو هذه القدرة المطلقة على التجول في أرجاء العالم بروح حرة، غير مثقلة بأوهام الماضي أو بخيبات العابرين.
والأسبوع القادم، سأطوي المسافات مجدداً نحو دبي. أعرف هذه المدينة، لقد مشيت في شوارعها من قبل، لكنني على يقين تام بأنني سأراها هذه المرة بعينين جديدتين كلياً. دبي التي سأعانقها قريباً ليست دبي الأمس؛ ناطحات السحاب ستعكس بريق مرحلتي الجديدة، والأضواء لن تضيء إلا دروباً تليق بمن يعرف تماماً أين يضع قدمه. سأمشي هناك خفيفاً، محاطاً بكل ما هو استثنائي، تاركاً وراء ظهري كل ما هو عادي.
يبدو أنني للتو، ولأول مرة منذ وقت طويل، بدأت أتنفس حقاً.
حين تتنفس الروح بعد عامين من الغرق
نص عن الاستيقاظ البطيء في نور الشمس بعد عامين من العتمة؛ من سكينة جبال عُمان إلى أزقة تونس مع الأب، وقريبًا دبي بعينين جديدتين.
Never miss a new piece
Get new writings and poems delivered to your inbox. No noise, unsubscribe anytime.
Keep reading
You may also like
Writings
إلى التي اختارت القاع بعد أن أسكنتها القمة
إلى مريم… “هناك خسارات لا ندرك حجمها إلا حين نلمس الفراغ الذي تركته في أرواحنا.. وأنتِ يا مريم، لم تفقدي رجلاً، بل فقدتي وطناً كان مستعداً أن يحترق ليضيء عتمتكِ...
Writings
هذا انا
اليوم أقف على قمة العالم، أنظر إلى من تحتي كما ينظر الناجون إلى ساحات المعارك بعد انتهاء الطوفان. لقد انتصرت! لا، بل نجوت من جحيم لم يكن له نهاية، من عتمة لم يك...
Writings
انه رأسي، لا تبحثين فيه عن عالمك
كان كل شيء قد انتهى قبل أن يبدأ، ومع ذلك، كنت أشعر أن النهاية لم تكن سوى بداية أخرى، بداية أكثر وحشية، أكثر قسوة، وأشد ظلمًا مما تخيلت يومًا. في تلك الليلة الأخ...
Comments
0No comments yet. Be the first.
Join the conversation
Your email stays private. Comments appear after review.