في عمّان، أعيش رجلاً كلاسيكياً كما اعتدت أن أكون: أتنفس هواءها الجبلي الذي يهبط من التلال بارداً حتى في الصيف، وآكل أكل أهلها، وأتعلم لهجتهم التي تدخل القلب ولا تجد باباً تخرج منه. وحدي، أمام لابتوبي، أنجز ما تنجزه الأيام في الناس أكثر مما ينجزه الناس في أيامهم.
ثم تذكرت: أخي، حين زارني الأسبوع الماضي، حمل معه تمر أمي.
آه يا أمي....
لأمي عادة لا تشبه أحداً: تختار التمر العراقي الأصيل، تنزع عنه نواه واحدة واحدة، تعجنه بالبسكوت وزيت الزيتون والمكسرات، ثم تشكله أقراصاً صغيرة مستديرة، وجبات سريعة لابن تعرف أن الوقت يسرقه منها. وكلما سافر أحد إلى الأردن، أرسلت معه شيئاً منه. لم أفهم إلا متأخراً أن ما كانت ترسله ليس تمراً، كانت ترسل ساعات من عمرها مطوية في شكل دائرة.
تركت اللابتوب. ذهبت إلى المطبخ. وضعت قليلاً منه في صحن أبيض صغير، وعدت.
ثم انتبهت إلى يدي وفكي: كنت آكل بحذر. أمضغ ببطء شديد، بأطراف الأسنان، كمن يفتش عن لغم في أرض يعرف أنها آمنة. ضحكت من نفسي. وكانت قطتي على بعد أمتار، ترفع رأسها إلي بتلك النظرة التي تقول: ما بال هذا المجنون يضحك وحده؟
وضحكتي لم تكن من التمر. كانت من عشر سنين.
قبل عشر سنين أو أكثر، صنعت أمي التمر كعادتها، لكنها على ما يبدو سهت عن نواة واحدة. ووقعت تلك الواحدة من نصيبي. مضغتها فمضغت الحجر معها، ووجع صعد من فكي إلى رأسي حتى كاد سني أن يفارق مكانه. غضبت. قلت لها: يا أمي، لماذا لم تخرجي النوى؟ لقد تأذيت.
فارتعبت، وقالت بلهجتها: "حبيبي والله فلسته كله، بس شكلي نسيت تمراية بالخطأ. خوما تأذيت؟"
جملة واحدة. اعتذار وخوف وحب في سطر. ونواة واحدة، من بين مئات، نجت من أصابعها.
ومنذ ذلك اليوم، لم أعد آكل التمر كما يأكله الناس.
وهنا يبدأ السؤال الذي لم أطرحه على نفسي إلا اليوم:
لو سألت أمي: من أكثر إنسان في الكون تحبينه؟ لنادت باسمي.
ولو سئلت أنا: بمن تثق ثقة عمياء؟ لقلت: بها.
الثقة إذن موجودة، كاملة، لا شرخ فيها. فما الذي يحدث في فمي إذن؟
أدركت أن المسألة لم تكن يوماً مسألة ثقة، بل مسألة ذاكرة جسد.
القلب يسامح، والعقل يقتنع، ويبقى الفك يتذكر. ثمة طبقة فينا لا تصغي إلى منطقنا ولا إلى محبتنا، طبقة بدائية مهمتها الوحيدة أن تحمينا، ولو من أمهاتنا. هي لا تحاكم، ولا تحب، ولا تكره. إنها فقط تسجل: هنا آلمك شيء. ثم تحرس المكان إلى الأبد.
الثقة لا تسحب بقرار. لا يجلس المرء إلى نفسه ليقول: قررت ألا أثق. الثقة تسحب في لحظة الألم، دون استئذان، وقبل أن يصل الخبر إلى الوعي بثوان. الوعي يأتي متأخراً دائماً، ليجد الحكم قد صدر ونفذ.
ثم انتبهت إلى ما هو أقسى: أن الأذى الذي وقع مرة واحدة، خطأً، من غير قصد، من أكثر الناس حباً لي، كان كافياً. لم يحتج إلى تكرار. لم يحتج إلى سوء نية. نواة واحدة نسيتها امرأة تحبني، غيّرت طريقة مضغي إلى الأبد.
فكم نواة تركنا نحن في أطباق الآخرين؟
كم مرة كنا نحن من أخطأ سهواً، ونام تلك الليلة مرتاح الضمير، بينما كان إنسان في مكان آخر يتعلم، من غير أن يخبرنا، أن يمضغ الحياة ببطء؟
أعدت الصحن الأبيض إلى المطبخ. لم أعد إلى العمل فوراً.
كنت أفكر في أن ما نسميه "الثقة" ليس بناءً يهدم ثم يعاد بناؤه، بل زجاج: يمكن أن يلصق، ويمكن أن يعود شفافاً، لكن الضوء لن يمر منه بالطريقة نفسها أبداً. تبقى الشعرة الرفيعة في مكانها، لا تمنع النظر، لكنها تذكرك في كل مرة تنظر.
نحن لا نغفر بالكامل، ولا نحقد بالكامل. نحن فقط نمضغ بحذر.
وأقسى ما في الأمر أن هذا الحذر ليس عقاباً لأحد. أمي لا تعلم به. لن تعلم به أبداً. الحذر لا يؤذي إلا صاحبه: يسرق منه لذة أن يأكل شيئاً صنعه له الحب، دون أن يفتش فيه عن الأذى.
فبأي يد نأكل ما يهدى إلينا؟
وهل ما زال في الدنيا أحد نأكل من يده دون أن نمضغ ببطء؟
نواة واحدة
نواة واحدة: خاطرة عن الثقة وذاكرة الجسد
لا يفوتك جديد
تصلك الكتابات والقصائد الجديدة إلى بريدك. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
التعليقات
0لا توجد تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين.
شارك الحوار
بريدك يبقى خاصًّا. تظهر التعليقات بعد المراجعة.