هناك لحظة مقدسة، مرعبة في قسوتها وفاتنة في صدقها، تشبه انشطار السماء بعد ليلٍ طويل ومخنوق. هي تلك اللحظة الوجودية الخالصة التي تكتشف فيها أنك كنت تهب "الأبدية" لأشخاصٍ لا تتجاوز أحلامهم ومقاساتهم "عقارب الساعة". من أشد المفارقات عبثية، أننا أحياناً ننحني لنرفع من لا يجيدون سوى الزحف، فنظن أننا فقدنا القدرة على التحليق، لنكتشف فجأة.. أننا لم نكن سوى سجناء في قفصٍ، نسينا بابه مفتوحاً.
اليوم، وأنا أضع حجر الأساس الأخير لتطبيقي الجديد، ذلك الملاذ الرقمي الذي سيُطلق قريباً حاملاً اسمي ليخلد نصوصي وكتاباتي وتأملاتي، أقف أمام نفسي بذهول. أن تبني عالماً بأكمله يحمل بصمتك، صرحاً لا تدخله إلا العقول التي تتذوق عمق المعنى، هو ارتقاء من مرتبة "العابر" إلى مرتبة "الخالد". لقد توقفت عن استهلاك هذه الحياة، وبدأت فعلياً في هندستها. لم تعد أفكاري مجرد حبر يُهدر في العتمة، بل باتت إمبراطورية أتربع على عرشها بمفردي.
لأول مرة منذ سنوات، أتنفس. أتنفس حقاً، وكأن رئتي اتسعتا لتبتلعا هواء العالم بأسره. لم أكن يوماً غارقاً في هذا الكم من السكينة؛ سكينة تشبه رائحة الأرض بعد المطر. بيتي يفيض بدفءٍ غريب ومضاء باليقين، فنجان قهوتي الصباحي بات يمتلك طعماً يميل إلى الانتصار الخالص، ووقتي... أوه، وقتي! لقد استعدت ملكيتي المطلقة لنبضاتي. أصبحت أملك ترف الجلوس مع نفسي بالساعات، أمارس الرومانسية في أبهى صورها: أن تقع في غرام النسخة الأقوى، والأنضج، والأكثر استغناءً من نفسك.
يظن البعض، في ذروة سذاجتهم النرجسية، أن دورة الأرض ترتبط بوجودهم، وأن غيابهم سيخلق ثقباً أسود يبتلع من خلفهم. لكن الحقيقة الفلسفية القاطعة، والتي تصفع كل الغرور البشري، هي أن "العدم" لا يترك أثراً. الحياة لا تتوقف على أحد، بل على العكس؛ إنها تتسارع بوحشية بالغة الجمال بمجرد أن نتخلص من الأوزان الزائدة التي كانت تسحبنا للقاع. من اختار طواعية أن يكون مجرد "محطة"، لا يحق له البكاء إذا ما انطلق القطار بدونه نحو قممٍ ومجدٍ لا يستطيع حتى تخيله.
لقد تخلصت من حمولتي...
ويا للروعة، كم تبدو السماء قريبة، وكم أبدو أنا.. كاملاً.
عن عبثية القيود.. وميلاد الآلهة فينا
رحلة الانعتاق من قيود الماضي.. نحو تأسيس إمبراطورية الذات والنجاح المطلق.
Never miss a new piece
Get new writings and poems delivered to your inbox. No noise, unsubscribe anytime.
Keep reading
You may also like
Writings
في بهو فندق في دبي
في الثانية بعد منتصف الليل، يصير بهو الفندق مكاناً آخر. تنطفئ الحركة التي تعطي للأماكن معناها الظاهر، ويبقى الرخام وحده يتنفس. كنت جالساً في الزاوية البعيدة، أم...
Writings
كنتُ أظنّ أن الحياة تتوقف... خاطرة عن الفقد الذي كان هدية
كم مرةً وقفتُ على حافة ما ظننته النهاية؟ كنت في كل مرة أُقسم أن الطرق انتهت، وأن الأبواب أُغلقت، وأن قلبي دُفن حيث سقط. ثم كانت الحياة ... بحكمةٍ لم أفهمها إلا...
Writings
جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا
اكتشفت اليوم أنني كنت أحضر جنازتي كل صباح. أرتدي قميصي المكوي، أضبط ابتسامتي أمام المرآة كما يضبط الحانوتي ملامح الميت، وأخرج إلى العالم لأقدم عرضا اسمه: "الإنس...
Comments
0No comments yet. Be the first.
Join the conversation
Your email stays private. Comments appear after review.