اكتشفت اليوم أنني كنت أحضر جنازتي كل صباح.
أرتدي قميصي المكوي، أضبط ابتسامتي أمام المرآة كما يضبط الحانوتي ملامح الميت، وأخرج إلى العالم لأقدم عرضا اسمه: "الإنسان المثالي". واحد وثلاثون عاما وأنا أمثل دور رجل لم أقابله قط، رجل اخترعه خوفي ورباه قلقي ومولته أحكام الناس.
لم أعش. كنت أثبت.
هناك فرق رهيب بين الاثنين، فرق لا تدركه إلا حين يفوت الأوان: الذي يعيش يخطئ ويضحك ويسقط في الوحل ويقوم ووجهه متسخ بالحياة. أما الذي يثبت، فهو يمشي على أطراف أصابعه فوق حياته كأنها أرض غيره، خائفا أن يترك أثرا، خائفا أن يقال عنه، خائفا من كلمة "عيب" التي زرعت فيه قبل أن يزرع فيه القلب.
أين مراهقتي؟ سرقها التفكير. كان أبناء جيلي يركضون تحت المطر وأنا أحسب عواقب البلل. كانوا يحبون بحماقة، يكتبون أسماء على الجدران، يكسرون قلوبهم ويرقعونها بالضحك، وأنا واقف على الرصيف أراقب، أقنع نفسي أنني "أعقل منهم". يا لغبائي.. العقل الذي لا يجن مرة واحدة في العمر ليس عقلا، بل سجانا يلبس ثياب حكيم.
كنت أظن أن المثالية سلم، فإذا بها تابوت. كل "لا" قلتها لنفسي كانت مسمارا. كل لحظة جنون أجلتها كانت لوحا من الخشب. كل "ماذا سيقول الناس؟" كانت حفنة تراب. وحين توقفت اليوم، في الحادية والثلاثين، أنظر حولي، لم أجد حياة.. وجدت سيرة ذاتية ممتازة لرجل ميت. وكان يمكن أن أستمر في البناء حتى الأربعين والخمسين لولا أن مسمارا أخيرا سقط من يدي، فانتبهت.
والمضحك المبكي أن الناس الذين عشت عمري أخاف من نظراتهم، لم يكونوا ينظرون أصلا. كل منهم كان مشغولا بتمثيليته الخاصة، واقفا على مسرحه الصغير، يؤدي دور الكمال أمام جمهور يؤدي بدوره أمامه. مليارات الممثلين، ولا متفرج واحد. هذه هي المسرحية الأكثر عبثا في التاريخ، ونحن نموت من أجل تصفيق لن يأتي.
كم مرة اشتهيت أن أرقص فوقفت باتزان؟ كم مرة أراد قلبي أن يصرخ "أحبك" فقال لساني "على راحتك"؟ كم فجرا أردت أن أهرب فيه إلى البحر فذهبت إلى اجتماع؟ كنت أؤجل الحياة كما يؤجل المفلس سداد دينه، ولم أنتبه أن الدائن هو العمر، وأن العمر لا يمهل.
الخوف يا صديقي ليس شعورا، الخوف وطن هاجرت إليه صغيرا وحصلت على جنسيته، وصار جواز سفري الوحيد. والتفكير الزائد ليس ذكاء، بل مضغ الحياة حتى تفقد طعمها قبل أن نبلعها. عشت أفكر في العيش بدل أن أعيش، كمن يقضي عمره يقرأ عن الماء وهو يموت عطشا وقربه نهر.
اليوم فهمت: الكمال الذي طاردته لم يكن نورا، كان سرابا رسمه الآخرون على جدار سجني. والنقص الذي هربت منه هو الإنسان.. أنا. الضحكة العالية التي كتمتها، الدمعة التي بلعتها أمام الناس، الحماقة التي لم أرتكبها، الحب الذي لم أعترف به.. هذه كانت حياتي الحقيقية، وقد دفنتها حية كل يوم بيدي، وقرأت عليها الفاتحة بصوت العقل.
لكنني، وأنا أكتب هذا، أسمع نبضا خافتا تحت الركام. يبدو أن ما دفنته لم يمت بعد. لقد أدركت في الحادية والثلاثين ما لا يدركه كثيرون إلا في الأربعين أو الخمسين، حين لا يبقى من العمر ما يكفي للندم حتى. أنا لم أصل بعد إلى تلك الحافة.. ما زال أمامي عقد كامل كان مقدرا له أن يدفن هو الآخر، وقررت أن أنتزعه من يد المثالية وأعيشه أنا. الحادية والثلاثون ليست شاهد قبر، بل باب خلفي للحياة، لمن يجرؤ أن يخلع الكفن المكوي ويخرج إلى الشارع بوجهه الحقيقي، متسخا بالضحك، فاضحا، ناقصا، حيا.
فيا من تقرأني الآن، وما زال العمر في يدك: أخطئ، واعشق، وارقص كالمجنون، وابك في الشارع إن أردت، ودع المثالية لشواهد القبور، فهي وحدها التي يليق بها الكمال. أما أنت.. فقد خلقت لتعيش، لا لتثبت.
جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا
اكتشفت في الحادية والثلاثين أنني لم أعش يومًا واحدًا لنفسي، بل قضيت عمري أمثل دور الإنسان المثالي أمام جمهور لم يكن ينظر أصلًا
لا يفوتك جديد
تصلك الكتابات والقصائد الجديدة إلى بريدك. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
اقرأ التالي
قد يعجبك أيضًا
كتابات
عن عبثية القيود.. وميلاد الآلهة فينا
هناك لحظة مقدسة، مرعبة في قسوتها وفاتنة في صدقها، تشبه انشطار السماء بعد ليلٍ طويل ومخنوق. هي تلك اللحظة الوجودية الخالصة التي تكتشف فيها أنك كنت تهب "الأبدية"...
كتابات
إلى التي اختارت القاع بعد أن أسكنتها القمة
إلى مريم… “هناك خسارات لا ندرك حجمها إلا حين نلمس الفراغ الذي تركته في أرواحنا.. وأنتِ يا مريم، لم تفقدي رجلاً، بل فقدتي وطناً كان مستعداً أن يحترق ليضيء عتمتكِ...
كتابات
هذا انا
اليوم أقف على قمة العالم، أنظر إلى من تحتي كما ينظر الناجون إلى ساحات المعارك بعد انتهاء الطوفان. لقد انتصرت! لا، بل نجوت من جحيم لم يكن له نهاية، من عتمة لم يك...
التعليقات
0لا توجد تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين.
شارك الحوار
بريدك يبقى خاصًّا. تظهر التعليقات بعد المراجعة.