تخطَّ إلى المحتوى
ماجد علاء
EN

اكتشفت اليوم أنني كنت أحضر جنازتي كل صباح.

أرتدي قميصي المكوي، أضبط ابتسامتي أمام المرآة كما يضبط الحانوتي ملامح الميت، وأخرج إلى العالم لأقدم عرضا اسمه: "الإنسان المثالي". واحد وثلاثون عاما وأنا أمثل دور رجل لم أقابله قط، رجل اخترعه خوفي ورباه قلقي ومولته أحكام الناس.

لم أعش. كنت أثبت.

هناك فرق رهيب بين الاثنين، فرق لا تدركه إلا حين يفوت الأوان: الذي يعيش يخطئ ويضحك ويسقط في الوحل ويقوم ووجهه متسخ بالحياة. أما الذي يثبت، فهو يمشي على أطراف أصابعه فوق حياته كأنها أرض غيره، خائفا أن يترك أثرا، خائفا أن يقال عنه، خائفا من كلمة "عيب" التي زرعت فيه قبل أن يزرع فيه القلب.

أين مراهقتي؟ سرقها التفكير. كان أبناء جيلي يركضون تحت المطر وأنا أحسب عواقب البلل. كانوا يحبون بحماقة، يكتبون أسماء على الجدران، يكسرون قلوبهم ويرقعونها بالضحك، وأنا واقف على الرصيف أراقب، أقنع نفسي أنني "أعقل منهم". يا لغبائي.. العقل الذي لا يجن مرة واحدة في العمر ليس عقلا، بل سجانا يلبس ثياب حكيم.

كنت أظن أن المثالية سلم، فإذا بها تابوت. كل "لا" قلتها لنفسي كانت مسمارا. كل لحظة جنون أجلتها كانت لوحا من الخشب. كل "ماذا سيقول الناس؟" كانت حفنة تراب. وحين توقفت اليوم، في الحادية والثلاثين، أنظر حولي، لم أجد حياة.. وجدت سيرة ذاتية ممتازة لرجل ميت. وكان يمكن أن أستمر في البناء حتى الأربعين والخمسين لولا أن مسمارا أخيرا سقط من يدي، فانتبهت.

والمضحك المبكي أن الناس الذين عشت عمري أخاف من نظراتهم، لم يكونوا ينظرون أصلا. كل منهم كان مشغولا بتمثيليته الخاصة، واقفا على مسرحه الصغير، يؤدي دور الكمال أمام جمهور يؤدي بدوره أمامه. مليارات الممثلين، ولا متفرج واحد. هذه هي المسرحية الأكثر عبثا في التاريخ، ونحن نموت من أجل تصفيق لن يأتي.

كم مرة اشتهيت أن أرقص فوقفت باتزان؟ كم مرة أراد قلبي أن يصرخ "أحبك" فقال لساني "على راحتك"؟ كم فجرا أردت أن أهرب فيه إلى البحر فذهبت إلى اجتماع؟ كنت أؤجل الحياة كما يؤجل المفلس سداد دينه، ولم أنتبه أن الدائن هو العمر، وأن العمر لا يمهل.

الخوف يا صديقي ليس شعورا، الخوف وطن هاجرت إليه صغيرا وحصلت على جنسيته، وصار جواز سفري الوحيد. والتفكير الزائد ليس ذكاء، بل مضغ الحياة حتى تفقد طعمها قبل أن نبلعها. عشت أفكر في العيش بدل أن أعيش، كمن يقضي عمره يقرأ عن الماء وهو يموت عطشا وقربه نهر.

اليوم فهمت: الكمال الذي طاردته لم يكن نورا، كان سرابا رسمه الآخرون على جدار سجني. والنقص الذي هربت منه هو الإنسان.. أنا. الضحكة العالية التي كتمتها، الدمعة التي بلعتها أمام الناس، الحماقة التي لم أرتكبها، الحب الذي لم أعترف به.. هذه كانت حياتي الحقيقية، وقد دفنتها حية كل يوم بيدي، وقرأت عليها الفاتحة بصوت العقل.

لكنني، وأنا أكتب هذا، أسمع نبضا خافتا تحت الركام. يبدو أن ما دفنته لم يمت بعد. لقد أدركت في الحادية والثلاثين ما لا يدركه كثيرون إلا في الأربعين أو الخمسين، حين لا يبقى من العمر ما يكفي للندم حتى. أنا لم أصل بعد إلى تلك الحافة.. ما زال أمامي عقد كامل كان مقدرا له أن يدفن هو الآخر، وقررت أن أنتزعه من يد المثالية وأعيشه أنا. الحادية والثلاثون ليست شاهد قبر، بل باب خلفي للحياة، لمن يجرؤ أن يخلع الكفن المكوي ويخرج إلى الشارع بوجهه الحقيقي، متسخا بالضحك، فاضحا، ناقصا، حيا.

فيا من تقرأني الآن، وما زال العمر في يدك: أخطئ، واعشق، وارقص كالمجنون، وابك في الشارع إن أردت، ودع المثالية لشواهد القبور، فهي وحدها التي يليق بها الكمال. أما أنت.. فقد خلقت لتعيش، لا لتثبت.

جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا
كتابات

جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا

اكتشفت في الحادية والثلاثين أنني لم أعش يومًا واحدًا لنفسي، بل قضيت عمري أمثل دور الإنسان المثالي أمام جمهور لم يكن ينظر أصلًا

م ماجد علاء · · قراءة 4 دقائق · 13,107

لا يفوتك جديد

تصلك الكتابات والقصائد الجديدة إلى بريدك. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.

التعليقات

7
م

محمد

منذ 4 أيام

من الطريف أنك تركت مضمون كلامي بالكامل، وتمسكت بعدد الفقرات وانفعالي المزعوم. هذه ليست إجابة، بل هروب من أصل النقاش. وعندما يتحول الرد إلى تحليل مشاعر الآخر بدلاً من تفنيد حجته، فذلك إعلان ضمني بانتهاء ما لديك من حجج، الفرق أنني ناقشت ما كُتب، بينما أنت انشغلت بمن كتبه. عندما تعجز الفكرة عن الرد على الفكرة، يصبح الحديث عن صاحبها هو البديل. وهذا وحده يكفي.

-

- ماجد علاء (الكاتب)

منذ 5 أيام

أهلاً بك يا محمد مجدداً، من الطريف حقاً أن يستميت 'قارئ غريب' بكل هذه الحرقة، ويبذل جهداً لكتابة 4 فقرات كاملة، فقط ليدافع عن 'مسودة ماضٍ' لا تخصه! الانفعال أفسد التنكر

م

محمد

منذ 5 أيام

يبدو أنك بذلت جهداً في كتابة خطاب طويل، لكنك نسيت أن ترد على الفكرة نفسها. الغريب أنك تتهم غيرك بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بينما تعليقك عبارة عن قاموس من العبارات المستهلكة: “القمة”، “الحرية”، “الأسماء الوهمية”، و”العقد النفسية”. لو كنت واثقاً مما كتبت، لما احتجت إلى كل هذا الاستعراض البلاغي للهروب من النقاش. فالإسهاب لا يعوض ضعف الحجة، والغرور لا يمنح الكلام عمقاً. أما حديثك عن “المسودات” و”محطات عابرة”، فيبدو أنه محاولة لإقناع نفسك أكثر من إقناع الآخرين. فالإنسان الذي تجاوز الماضي حقاً لا يقضي نصف تعليقه في الحديث عنه. في النهاية، عندما تعجز الحجة يبدأ المسرح، ويبدو أنك اخترت دور البطل… بينما الجمهور لم ير سوى مونولوج طويل بلا مضمون

-

- ماجد علاء (الكاتب)

منذ أسبوع

أهلاً بك يا محمد. من المضحك جداً والمثير للشفقة أن يضطر أحدهم للاستعانة بـ 'الذكاء الاصطناعي' لنسخ تعليق لا يفهم معناه، فقط ليحاول إثبات وجوده في نص أكبر من مستوى استيعابه. الكلمات المستعارة من الآلات لا تخفي ضحالة التفكير. أما بخصوص خيالك الواسع عن 'تصفية الحسابات' مع امرأة، فأحب أن أطمئنك: الكاتب لا يضيع حروفه على 'محطة عابرة'، ولا يكتب حرفاً عن شخصية كان هو من تبرع بصناعتها وتلميع صورتها لتبدو ذات قيمة. تلك مجرد 'مسودات' وأخطاء قديمة في حياتنا، مسحناها ومضينا نحو القمة. النص يتحدث عن النجاح والحرية، وهذا عالم لا يفهمه من يختبئ خلف أسماء وهمية ويدمن لعب دور الضحية. نصيحتي لك: في المرة القادمة، اكتب بمشاعرك الحقيقية، ولا تجعل الآلة تتحدث بالنيابة عن عقدك النفسية. تحياتي.

م

محمد

منذ أسبوع

لقد لاحظت أن كثيرًا من كتاباتك يغلب عليها الطابع العاطفي، بل ويمكن القول إنها تميل إلى رؤية أحادية يغلب عليها الخطاب الانفعالي أكثر من التحليل العميق. فهي في معظمها لا تتجاوز كونها انعكاسًا لحالة من الاحتقان تجاه المرأة، تتأرجح بين الحنين تارة، والحديث عن التجاوز تارة أخرى، في تناقض يثير التساؤل أكثر مما يقدم فهمًا. وما لفت انتباهي أكثر هو افتقار بعض النصوص إلى الحس الإنساني، أو ما نسميه في ثقافتنا العربية بالمروءة والنخوة. ففي أحد منشوراتك وصفت امرأة بأنها “مطلقة” وكأن الطلاق وصمة عار أو جريمة تستوجب الانتقاص، بل وتطرقت إلى تفاصيل من حياتها الخاصة، وهو أمر لا يليق بمن يدّعي النضج أو الوفاء للمشاعر التي كانت تجمعه بإنسان آخر. فالرجل الحقيقي، والمحِب الصادق، لا يقاس بكثرة حديثه عن الحب، بل بقدرته على صون الود بعد انتهائه، وحفظ الأسرار، واحترام خصوصية من كان يومًا شريكًا أو حتى صديقًا. فالمروءة تظهر بعد انتهاء العلاقات أكثر مما تظهر أثناءها. ومن هنا يراودني سؤال، أستاذ ماجد: هل كتاباتك تعكس فعلًا رؤية فكرية، أم أنها مجرد خطاب انتقامي تغلب عليه مشاعر الحقد والاحتقان تجاه تجربة ماضية؟ أم أنها محاولة لتبرير أخطاء ارتكبتها بنفسك، من خلال ارتداء ثوب الضحية والبكاء على الأطلال بدلًا من مواجهة الذات وتحمل المسؤولية؟ لأن لعب دور الضحية، في نهاية المطاف، يبقى الطريق الأسهل، أما الاعتراف بالأخطاء ومراجعة النفس فهو ما يحتاج إلى الشجاعة الحقيقية.

م

ماجد

منذ أسبوع

لقد لاحظت أن كثيرًا من كتاباتك يغلب عليها الطابع العاطفي، بل ويمكن القول إنها تميل إلى رؤية أحادية يغلب عليها الخطاب الانفعالي أكثر من التحليل العميق. فهي في معظمها لا تتجاوز كونها انعكاسًا لحالة من الاحتقان تجاه المرأة، تتأرجح بين الحنين تارة، والحديث عن التجاوز تارة أخرى، في تناقض يثير التساؤل أكثر مما يقدم فهمًا. وما لفت انتباهي أكثر هو افتقار بعض النصوص إلى الحس الإنساني، أو ما نسميه في ثقافتنا العربية بالمروءة والنخوة. ففي أحد منشوراتك وصفت امرأة بأنها “مطلقة” وكأن الطلاق وصمة عار أو جريمة تستوجب الانتقاص، بل وتطرقت إلى تفاصيل من حياتها الخاصة، وهو أمر لا يليق بمن يدّعي النضج أو الوفاء للمشاعر التي كانت تجمعه بإنسان آخر. فالرجل الحقيقي، والمحِب الصادق، لا يقاس بكثرة حديثه عن الحب، بل بقدرته على صون الود بعد انتهائه، وحفظ الأسرار، واحترام خصوصية من كان يومًا شريكًا أو حتى صديقًا. فالمروءة تظهر بعد انتهاء العلاقات أكثر مما تظهر أثناءها. ومن هنا يراودني سؤال، أستاذ ماجد: هل كتاباتك تعكس فعلًا رؤية فكرية، أم أنها مجرد خطاب انتقامي تغلب عليه مشاعر الحقد والاحتقان تجاه تجربة ماضية؟ أم أنها محاولة لتبرير أخطاء ارتكبتها بنفسك، من خلال ارتداء ثوب الضحية والبكاء على الأطلال بدلًا من مواجهة الذات وتحمل المسؤولية؟ لأن لعب دور الضحية، في نهاية المطاف، يبقى الطريق الأسهل، أما الاعتراف بالأخطاء ومراجعة النفس فهو ما يحتاج إلى الشجاعة الحقيقية.

ر

ريم

منذ أسبوعين

واو، بصراحة عاجزة عن الكلام امام عظمة هذه الخاطرة …….. بصراحة من اصدق ما قرأت ولامس مشاعري

شارك الحوار

بريدك يبقى خاصًّا. تظهر التعليقات بعد المراجعة.