كم مرةً وقفتُ على حافة ما ظننته النهاية؟
كنت في كل مرة أُقسم أن الطرق انتهت، وأن الأبواب أُغلقت، وأن قلبي دُفن حيث سقط. ثم كانت الحياة ... بحكمةٍ لم أفهمها إلا متأخراً... تفتح لي دروباً لم أكن أعلم بوجودها، وتضع بين يديّ ما هو أعظم مما فقدت.
فتعلمتُ أن أحمد الله على كل شيءٍ ضاع مني.
أدركتُ أن الفقد لم يكن يوماً عقاباً، بل كان تفريغاً لمكانٍ يستحقه شيءٌ أجمل.
ما ظننته خساراتٍ كان أبواباً تُغلق لتُفتح نوافذ على سماواتٍ أوسع.
حتى القلوب التي ظننتُ يوماً أنها وطن، اكتشفتُ أنها كانت مجرد محطاتٍ في طريقٍ طويل، كُتب لي أن أعبرها لا أن أسكنها.
أنا رجلٌ إذا أحبّ أعطى كل ما يملك ... لا يُبقي في صدره شيئاً، ولا يساوم على قطرةٍ من قلبه.
وإذا رحل، رحل بكل ما يملك، فلا يبقى منه أثرٌ يُلمس، ولا صدىً يُسمع، وكأنه انتقل إلى عالمٍ آخر لا تصل إليه الأيدي ولا الندم المتأخر.
هكذا خُلقت: لا أعرف أنصاف العطاء، ولا أنصاف الرحيل.
ومن فرّط فيّ، فقد فرّط في شيءٍ لن يجده مهما فتّش في وجوه العابرين وعيون البشر ... لأن بعض الأشخاص لا يتكررون، وبعض الفرص تمرّ مرةً واحدةً في العمر ثم تُغلق السماء أبوابها.
لكنني لا ألتفت.
لأن الالتفات لمن ترك خلفه شيئاً يستحق.
أما أنا، فكل ما تركته خلفي كان درساً، وكل ما ينتظرني أمامي كان وعداً.
والحياة ... كما علّمتني دائماً ... لا تتوقف.
هي فقط تتوقف عند الذين لم يعرفوا قيمة ما بين أيديهم، فوقفوا يتأملون الفراغ الذي خلّفه رحيل العظماء.
كنتُ أظنّ أن الحياة تتوقف... خاطرة عن الفقد الذي كان هدية
تأملات فلسفية في الرحيل والامتنان, كيف تحوّلت كل نهاية ظننتها موتاً إلى بداية أعظم
Never miss a new piece
Get new writings and poems delivered to your inbox. No noise, unsubscribe anytime.
Keep reading
You may also like
Writings
نواة واحدة
في عمّان، أعيش رجلاً كلاسيكياً كما اعتدت أن أكون: أتنفس هواءها الجبلي الذي يهبط من التلال بارداً حتى في الصيف، وآكل أكل أهلها، وأتعلم لهجتهم التي تدخل القلب ولا...
Writings
في بهو فندق في دبي
في الثانية بعد منتصف الليل، يصير بهو الفندق مكاناً آخر. تنطفئ الحركة التي تعطي للأماكن معناها الظاهر، ويبقى الرخام وحده يتنفس. كنت جالساً في الزاوية البعيدة، أم...
Writings
جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا
اكتشفت اليوم أنني كنت أحضر جنازتي كل صباح. أرتدي قميصي المكوي، أضبط ابتسامتي أمام المرآة كما يضبط الحانوتي ملامح الميت، وأخرج إلى العالم لأقدم عرضا اسمه: "الإنس...
Comments
0No comments yet. Be the first.
Join the conversation
Your email stays private. Comments appear after review.