في الثانية بعد منتصف الليل، يصير بهو الفندق مكاناً آخر. تنطفئ الحركة التي تعطي للأماكن معناها الظاهر، ويبقى الرخام وحده يتنفس. كنت جالساً في الزاوية البعيدة، أمامي فنجان قهوة ثالث، وشاشة لابتوبي هي الضوء الوحيد في محيطي. في الخارج كانت المدينة تلمع كما لو أنها لا تعرف النوم، وكنت أعمل لأن العمل في تلك الساعة يشبه الصلاة: لا أحد يراك، فتصير صادقاً.
جلس شخص على الأريكة المقابلة. لا أذكر متى بالضبط. أذكر فقط أنني رفعت رأسي فوجدته هناك، بهدوء من لم يأت من مكان ولا يقصد مكاناً. وبصوت لا أستطيع حتى اللحظة أن أصفه، سألني سؤالاً واحداً:
ما الذي تهرب إليه في هذه الساعة؟
لم يقل «مماذا». قال «إلى ماذا». وفي هذا الفرق الصغير بين حرفين، انفتح باب في رأسي كنت قد نسيت أن لي فيه باباً أصلاً.
تحدثنا حتى الفجر. لا أذكر اسمه، ولم أسأل. ولا أعرف من أين جاء ولا إلى أين مضى. أعرف فقط أن الرجل الذي دخل ذلك البهو لم يكن هو ذاته الذي خرج منه.
قال لي في منتصف الحديث: «الظلمة في عقل الإنسان ليست غياب الضوء. إنها غياب سؤال. الغرفة المعتمة في داخلك ليست مغلقة، أنت فقط لم تقف أمامها ولم تسألها من تكون.»
وقال أيضاً، وأنا أصغي كمن يُقرأ عليه ملفه الشخصي: «الذين يعرفونك جيداً لا يرونك. يرون الصورة التي رسموها لك مبكراً، ثم يقضون بقية حياتهم في الدفاع عن رسمهم لا عنك. أما الغريب، فليس لديه ما يخسره إن رآك كما أنت. لذلك يأتي النور غالباً من يد لا نعرف صاحبها.»
قلت له إن الإنسان يعتقد أنه يعرف نفسه لأنه يعيش معها. فضحك ضحكة قصيرة وقال: «والسجين يعيش مع جدرانه سنين، ولا يعرف ما خلفها.»
ثم قال الجملة التي حملتها معي منذ ذلك اليوم كما يُحمل حجر في الجيب، لا لثقله بل لتذكيره:
«لا تخف من قاع نفسك. كل ما تظنه عتمة هو عمق لم يُضأ بعد. الضحل وحده مضيء بالكامل، ولهذا لا ينتج شيئاً.»
في تلك الساعات الأربع، فهمت شيئاً لم تعلمني إياه السنون: أن الإنسان لا يتغير بالأحداث، بل بالمعنى الذي يمنحه للأحداث. وأن المعنى أحياناً لا يأتي من داخلنا مهما حفرنا، بل يأتي من كلمة عابرة يقولها شخص لن نراه مرة ثانية. المرآة لا ترى نفسها. تحتاج دائماً إلى ضوء من خارجها.
وفهمت أن العمق ليس شيئاً نملكه، بل شيء نُستدعى إليه. أن تُطرح عليك الأسئلة الصحيحة، فهذه هي الهدية الوحيدة التي لا تُشترى. الناس يمنحونك أشياء كثيرة، لكن نادراً ما يمنحك أحد سؤالاً يعيد ترتيب عقلك.
عند الخامسة فجراً، وقف ذلك الشخص ومضى. لم نتبادل أرقاماً، ولا أسماءً، ولا وعوداً. لم يطلب مني شيئاً ولم أعطه شيئاً. ومع ذلك، أخرجني من غرفة كنت فيها منذ سنوات دون أن أدري أنني فيها.
أغلقت اللابتوب. خرجت إلى الشارع. كانت دبي تستيقظ بذلك الضوء الرمادي الذي يسبق الشمس، وكان الهواء رطباً ثقيلاً يلتصق بالجلد، لكنني لم أشعر بثقله. مشيت وحدي، وشعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل: خفة. لا خفة من فقد حِملاً، بل خفة من اكتشف أنه كان يحمل حقيبة فارغة طوال الطريق.
منذ تلك الليلة، صرت أقيس الناس بمقياس واحد: هل يفتح وجودهم غرفة في داخلي، أم يغلق واحدة؟
وصرت أعرف أن قيمة الإنسان لا تُقاس بمن بقي معه، بل بما بقي فيه.
هناك ليال لا تغير مسارك، بل تغير الرجل الذي يسير فيه. وتلك الليلة في بهو فندق في دبي، مع شخص لن أعرف اسمه أبداً، كانت واحدة منها.
ولست نادماً أنني لم أسأل عن الاسم. لأن الأنوار الحقيقية لا تُوقَّع....
في بهو فندق في دبي
حديث عابر بعد منتصف الليل مع شخص لم أعرف اسمه، غيّر طريقتي في رؤية نفسي إلى الأبد
لا يفوتك جديد
تصلك الكتابات والقصائد الجديدة إلى بريدك. بلا إزعاج، ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
اقرأ التالي
قد يعجبك أيضًا
كتابات
كنتُ أظنّ أن الحياة تتوقف... خاطرة عن الفقد الذي كان هدية
كم مرةً وقفتُ على حافة ما ظننته النهاية؟ كنت في كل مرة أُقسم أن الطرق انتهت، وأن الأبواب أُغلقت، وأن قلبي دُفن حيث سقط. ثم كانت الحياة ... بحكمةٍ لم أفهمها إلا...
كتابات
جنازة رجل لم يمت.. خاطرة عن المثالية التي تسرق حياتنا
اكتشفت اليوم أنني كنت أحضر جنازتي كل صباح. أرتدي قميصي المكوي، أضبط ابتسامتي أمام المرآة كما يضبط الحانوتي ملامح الميت، وأخرج إلى العالم لأقدم عرضا اسمه: "الإنس...
كتابات
عن عبثية القيود.. وميلاد الآلهة فينا
هناك لحظة مقدسة، مرعبة في قسوتها وفاتنة في صدقها، تشبه انشطار السماء بعد ليلٍ طويل ومخنوق. هي تلك اللحظة الوجودية الخالصة التي تكتشف فيها أنك كنت تهب "الأبدية"...
التعليقات
0لا توجد تعليقات بعد. كن أوّل المعلّقين.
شارك الحوار
بريدك يبقى خاصًّا. تظهر التعليقات بعد المراجعة.